الأربعاء , 20 يونيو 2018
الرئيسية » أعمدة وجدة زيري » شذرات من ذاكرة صحافي .. مونولوج غنائي: الفن والعاطفة

شذرات من ذاكرة صحافي .. مونولوج غنائي: الفن والعاطفة

الريشة تداعب الوتر. وينبعث العود من رماد النغمات الساكتة كأبهى ما يكون العزف المنفرد. ثم تنهال التصفيقات على العازف المبدع. وفي موقف نادر، نسمع السيدة أم كلثوم وهي تضحك. ثم تمضي الأغنية على إيقاعها المرسوم. وإنه ليجلس خلف السيدة كما اعتاد خلال أربعة عقود، راضيا بعزف ألحان تلاميذه في جوق الست!

كان القصبجي موسيقارا عبقريا، لون الموسيقى بصبغة خاصة، وظفتْ–منذ بدايات القرن الماضي–الآلات والألوان الموسيقية الغربية. وقد توفي صاحبنا–بعد حياة فنية دافئة-في العام 1966. ولعله مات وفي قلبه شيءٌ من حتى. ولكن حياة الفنان أبعدُ من سنين عمره، وإنها لتمتد عبر الأجيال إلى أن ينقرض من الأرض من يحب الفن والجمال!

في أغنياته شجن رقيق، لا تعرف مأتاه. ومع أنه لَفَظ التلحين–إلى غير رجعة–وعاش إلى جانب السيدة عازفا للعود (فقط)، فإنه يظل أحد أبرز مبدعي الموسيقى العربية. كيف لا وهو أستاذ محمد عبد الوهاب ورياض السنباطي وفريد الأطرش؟

وحين تسمع–اليوم-مونولوج “إن كنت أسامح وأنسى الأسية” الذي لحنه لأم كلثوم في أواخر العشرينات، في بدايات اللقاء بينهما، فإنما هو السحر السائل من فجوة الزمن يتقاطر-كحبات جمال لؤلؤية–في مدى البصر! ولا يغيب عنك أن التلحين في قالب المونولوج الغنائي شديد الإنهاك والصعوبة، وإنها لمتعة خلابة أن نعود–نحن أبناء الألفية الثانية-تسعين عاما إلى الوراء، فنسمع مونولوجات شكلت في وقتها “قمة” التجديد في الأغنية العربية.

والمونولوج نسيج غنائي واحد، لا ينقسم إلى مقاطع. وهنا مكمن صعوبته؛ إذ هو قائم على لحن مسترسل شديد التماسك، بلا عودة إلى المدخل. ومن أجل ذلك، تكتسي هذه الألحان طابع التعبيريية-لا التطريبية فقط–كأنها تعبير درامي متصاعد يحمل المستمع إلى ذروة اللحن ثم ينتهي. وهذه الملاحظة تزيد قناعتي بهشاشة الحدود الفاصلة بين الأجناس الفنية. إن الفن–بهذا المعنى-أشبه بالدمية الروسية “ماتريوشكا”، وهي دمية كبيرة بداخلها دمى أخرى أصغر حجما.

وعصارةُ القولِ في قياس وقع المنجز الفني على المشاعر. وهو أمر–كما يبدو–بعيد عن نطاق الرصد والتحليل، ومغرق في النسبية. ففي الحكاية–مثلا-تكمن الجاذبية الآسرة “في تحويل السرد الجاف للأحداث إلى تجربة عاطفية”، كما تقول الباحثة الأمريكية ليندا كاوغيل، مؤلفة كتب عديدة تعنى بتدريس السيناريو.

إن الكثير من الروايات والأفلام السينمائية والمسرحيات–وحتى الأغاني–لا تفتقر إلى الأساليب التقنية اللازمة ولا إلى البناء الفني المتماسك، ولكنها–رغم ذلك-تخفق إخفاقا ذريعا. تقول ليندا كاوغيل إن “ما ينقصها هو العاطفة”.

لكن صاحبنا القصبجي كان ينضح بالعاطفة المتوقدة. وربما كانت هذه العاطفة باعثَ الموسيقار الكبير على الوفاء لعشرة الفن، عازفا على العود خلف أم كلثوم.. كأي عازف في فرقة!

تعليقات الفايسبوك

تعليق

شاهد أيضاً

تبعات تصويت  بعض الدول العربية ضد تنظيم المغرب لكأس العالم2026

كان الأجدر للمغرب الإنسحاب من السباق لتنظيم كأس العالم في2026،لاعتبارات متعددة منها،أننا لازلنا غير جاهزين …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.