الأربعاء , 20 يونيو 2018
الرئيسية » أخبار » الأخبار الدولية » كريم مروّة: الثورات العربية لم تخفق

كريم مروّة: الثورات العربية لم تخفق

 حاوره: حواس محمود  

يمر العالم العربي بمرحلة ما بعد انطلاق الثورات، بما تحمله من متغيرات وصراعات، بعدما تحالف الاستبداد مع التطرف، الأمر الذي زاد الأزمة تعقيداً بحيث وصلت المجتمعات إلى حالة انسداد الآفاق. حول هذه المستجدات كان اللقاء مع المفكر اللبناني كريم مروة.
وفي ما يأتي نص الحوار:
* برأيكم ما هي عوامل وأسباب إخفاق الثورات العربية في تحقيق الأهداف التي خرجت الشعوب العربية من أجلها؛ وهي الحرية والكرامة وإنهاء الفساد والاستبداد؟
أود قبل الإجابة عن السؤال أن أؤكد الأهمية التاريخية للثورات العربية. فهي، في نظري، حدث العصر بامتياز. وهو موقف عندي من الثورات عبّرت عنه في الكثير من المناسبات، مقالات ومحاضرات وندوات وأحاديث في وسائل الإعلام اللبنانية والعربية. وإذ أشير إلى ذلك فلكي أعارض مواقف الذين بدأوا ينعون الثورات من جراء ما آلت إليه، بفعل الرد الهمجي عليها من قبل أنظمة الاستبداد التي قامت الثورات لإسقاطها، والتحرر من الآثار المدمرة التي خلفتها في بلداننا، إضافة إلى الرد الهمجي الآخر المتمثل بالحركات السلفية التكفيرية التي تسيء إلى الإسلام بإعلان انتمائها إليه وإلى أحكامه.
وأود أن أذكّر الذين ينتقدون الثورات وينعونها ويصفها البعض منهم بأسوأ الصفات، بأن الثورة الفرنسية التي هي واحدة من أكبر الثورات التي عرفها تاريخ البشرية، أسوة بالثورة الاشتراكية، قد واجهت حين قامت من داخلها أولاً، ثم من خارجها بما كان يتناقض معها ومع أهدافها. لكن شعاراتها التي أطلقتها لدى قيامها ظلت تترك تأثيراتها على مدى القرنين اللذين أعقبا قيامها.
استناداً إلى هذا التاريخ الذي أشير إليه عن مسار الثورات، أقول في الجواب عن السؤال إن من الخطأ الحكم على الثورات العربية المعاصرة بأنها أخفقت، وأن الشعارات التي أطلقتها ذهبت مع الريح. كلا. ففي رأيي فإنها قد فتحت بقيامها الأبواب مشرعة على مستقبل جديد مختلف لبلداننا. ويؤكد ما أقوله هذا الرد الهمجي عليها الذي يشير إلى الرعب مما بشرت ووعدت به الثورات. لننظر إلى ما يفعل الطغاة والظلاميون في الرد على الثورات. الطغاة يقولون ما معناه “نحن أو لا بلد”. والظلاميون يقولون بلغتهم إن “الظلامية هي البديل من أفكار التنوير”!
يستحيل أن تعود البلدان العربية إلى ما قبل الثورات. فما بعدها شيء وما قبلها شيء مختلف. والثوار الذين أعلنوا بالدم أنهم لم يعودوا يقبلون في العيش كما كانوا سابقاً أسرى القهر والظلم والظلام والظلامية في ظل أنظمة الاستبداد، لن يسمحوا بالعودة إلى ذلك الماضي البائس. التغيير قادم حتماً. لكن التغيير، كما عبّرت عن ذلك الثورة الفرنسية والثورة الاشتراكية في روسيا، هو دائماً صعب، ولا يتم إلا بكلفة باهظة وعلى مراحل. وهذا ما نشهده في أيامنا هذه. وقد بدأت تباشير التغيير، وإن بمستويات متواضعة، تبرز للعيان في تونس أولاً، ثم في مصر. لكن التجربة في البلدين هي البداية. وهي بداية صعبة ومعقدة. وستليها مراحل من النضال متعددة المستويات من حيث التكلفة والإنجازات، من أجل الوصول إلى المبتغى من الأهداف التي قامت من أجلها الثورات. وفي مطلق الأحوال فإن النضال سيظل هو الثابت من أجل الحرية للإنسان الفرد والإنسان والجماعة، ومن أجل المساواة والعدالة والتقدم مجتمعة متحدة فيما بينها كأهداف. لكن شرط هذا النضال، الشرط الضروري والدائم، هو الوعي والعقلانية والواقعية، واحترام المراحل وعدم القفز فوقها. وهو الشرط الذي لا يكتمل إلا عندما تتكون في النضال من أجل هذه الأهداف، القوى ذات المصلحة في تحقيقها، وتتكون القيادة الديمقراطية المتجددة لهذه الحركة.

* كيف تحلل وصول العالم العربي إلى حالة متدنية من تماسك الدولة القطرية، وغياب المشروع القومي العربي أو حتى غياب المشاريع الوطنية لكل دولة على حدة؟ هل ستعود الدول العربية إلى مرحلة سايكس بيكو، ولكن بصورة أكثر تجزيئية بحيث تتفكك دولة الاستقلال إلى كانتونات ودويلات صغيرة؛ وهذا كان حلم إسرائيل؟ 
في سؤالك ارتباك سأتجاوزه لأعلن أولاً أن أي حديث عن تقسيم الدول العربية إلى دويلات هو حديث لا يرتكز إلى أي معطى حقيقي في الواقع القائم. بل هو، في نظري، مغاير بالكامل للوقائع وللمصالح الخاصة ببلداننا وذات الصلة بالعالم وبقواه الكبرى المؤثرة. أقول ذلك ليس من قبل التمني أو المكابرة. فقد تجاوزت في ثمانينيتي المتقدمة من عمري نزق الشباب ورومنسيتهم الساذجة، بفعل ما كدسته من تجارب ومعارف قدمتها لي الحياة، ومسؤولياتي وعلاقاتي ومعرفتي الدقيقة بالتحولات في عالمنا العربي بلداً بلداً، والتحولات في العالم المعاصر، بما في ذلك داخل الدول الكبرى، ولا سيما الولايات المتحدة الأميركية، التي لم تعد من حيث القوة والتأثير في المستوى الذي كانت عليه في العقود الماضية. حتى لو فرضنا أن العراق مثلاً، وسورية واليمن وليبيا قد انقسمت إلى دويلات، فسوف تكون دويلات طائفية وقبلية متناحرة ومتصارعة فيما بينها، بما في ذلك في حروب ذات طابع عنصري لا نهاية لها. فهل تقبل بذلك شعوبنا، وهل ستقبل بذلك القوى السياسية حتى أكثرها تخلفاً؟ وهل هو في مصلحة الدول العظمى، بما في ذلك الولايات المتحدة الأميركية؟ وحتى إسرائيل بالذات لن تجد مثل هكذا وضع مصلحة لها، لأنها ستكون هي ذاتها واحدة من أهداف تلك الحروب. ألا تقدم لنا الظواهر التي برزت في الرد على الثورات مثلاً على الكوارث التي لن تكون انعكاساتها على بلداننا وحسب، بل على العالم كله؟ كلا. إن مثل هذا الكلام عن التغيير الجغرافي والديمغرافي لما أدى إليه اتفاق سايكس بيكو، وصار واقعاً راسخاً، هو كلام مغاير للحقائق التاريخية بكل المعاني. لكن ما هو مطلوب حتماً، في ضوء ما أكدته الأحداث قديمها وحديثها على وجه الخصوص، هو أن بلداننا بحاجة إلى إعادة تكوين في الاتجاه الذي يحقق للمكونات المتعددة فيها حقوقها كاملة، كشرط لوحدتها الثابتة والراسخة. فلا تعود هناك أكثريات وأقليات. جميع المكونات الدينية والعرقية والإثنية والعقائدية والثقافية هي أجزاء أساسية من كيان الوطن الواحد. ففي بعض البلدان يمكن أن تكون الفدرالية هي الحل. وفي بلدان أخرى تكون لبعض المكونات صيغة الحكم الذاتي داخل الكيان الوطني. وفي بلدان أخرى يمكن اعتماد اللامركزية الإدارية وسوى ذلك من خيارات. هذا هو البديل الحقيقي الذي يحفظ للبلدان وحدتها في التنوع والتعدد.
أما في ما يتعلق بالمشروع القومي الذي ما زلنا نحلم به، المشروع الذي يرمي إلى تحقيق نهضة عربية تشارك فيها البلدان العربية جميعها، فإن لهذا المشروع شروطه الضرورية. وأول هذه الشروط هو ما قامت من أجل تحقيقه الثورات العربية، أي تحرير بلداننا من أنظمة الاستبداد بكل صيغها، وتحريرها في الآن ذاته من كل أشكال الحركات السلفية التكفيرية منها وغير التكفيرية، وبناء أنظمة ديمقراطية حديثة على قاعدة الفصل الكامل بين الدين والدولة. وعندما يتحقق ما أشير إليه تصبح بلداننا جزءاً من العالم، جزءاً مكوناً منه ومؤسساً، مؤثراً ومتأثراً. وتصبح بلداننا عندئذ في وضع يستعصي على أي أجنبي أن يتحكم بمصائرها، أياً كان حجمه.

* ما أسباب صمت المثقفين العرب تجاه ما حدث ويحدث في بلدانهم، وأين تلك الشعارات القومية والثورية التي كانت تطلق حتى قبل انطلاق الثورات العربية؟ 
لا شك أن للمثقفين دوراً في كل عملية تغيير، سواء في بلداننا أم في أي بلد. وهذا ما شهدناه في التاريخ القديم والحديث. ومعلوم أن عصر الأنوار في القرنين السادس عشر والسابع عشر هو الذي كوّن الشروط لقيام الثورة الفرنسية. وعصر الأنوار هو العصر الذي تميّز بعدد من كبار المفكرين في كل مجالات المعرفة. لكنْ لدور المثقفين هذا حدود ينبغي ألا نبالغ في تجاوزها. فالمثقف هو منتج فرد. والمثقفون لا يشكلون طبقة ولا يشكلون فئة اجتماعية متجانسة. ونتاج أعمالهم في مجالات الإبداع الفكري والأدبي والفني بأجناسه المختلفة لا يصبح ذا تأثير مباشر أو غير مباشر، إلا عندما يتزامن ويترافق مع وجود حركة في المجتمع تحتضنه وتستقوي به. فإذا غابت هذه الحركة يصبح هذا النتاج على أهميته قليل التأثير. بل إن المثقف ذاته يصبح في غياب هذه الحركة في حالة اضطراب. فإما أن ينكفئ على ذاته، أو يبحث عن ملاذ هو، بحسب التجربة في بلداننا وفي البلدان الأخرى، نقيض لمضمون إبداعه. والقليلون من بين المثقفين الذين يحافظون على إبداعهم ويستخدمونه في النضال الفردي من أجل التغيير. أريد أن أقول باختصار إن علينا ألا نحمّل المثقف أكثر ما يحمله موقعه ودوره. فلنبحث أولاً عن الحركة التي تحمل مشروعاً بمستوى هموم الوطن لكي نسأل المثقف عن دوره فيها ونحاسبه.

* لماذا تغيب الدراسات الفكرية والنهضوية لكشف وتحليل الواقع العربي، وفك خيوط الالتباس في عناصر الصراعات الراهنة، وهل ما يجري في العالم العربي سببه بنيوي داخلي أم بتأثير قوى دولية إقليمية نافذة؟ 
ليس صحيحاً أن ثمة غياباً في بلداننا للدراسات التي تطاول كل جوانب حياتنا. فهناك كثرة من الدراسات في المجال الفكري والاقتصادي والاجتماعي، وفي مجالات أخرى متعددة. الخلل ليس هنا. الخلل هو في مكان آخر. الخلل هو في غياب الحركة التي تحمل هموم أوطاننا. ولو كانت هذه الحركة أو الحركات موجودة لما قامت الثورات في شكل عفوي لتحل محلها. وللعفوية في الثورات جانب سلبي لا يلغي أهميتها. هنا بالذات تبرز ضرورة أن تستعيد القوى حاملة مشاريع التغيير دورها من خلال تجديد ذاتها، أو أن تقوم حركات جديدة بديلة منها تكمل ما فشلت تلك القوى بتحقيقه بسبب أزماتها التي عجزت عن الخروج منها. وأعني هنا بالذات الحركات اليسارية بتنويعاتها المختلفة، الاشتراكية والشيوعية والقومية.

* هل برأيك حل التطرف يكون بالعنف أم بوسائل أخرى عديدة، تتضمن رؤية أكثر إنصافا من الغرب للعالم العربي والإسلامي من حيث ضرورات التنمية وإصلاح السياسات الغربية تجاه بلدانه؟ 
أنا ضد العنف بالمطلق. فكلفة العنف في النضال من أجل التغيير باهظة. وأنا في موقفي هذا مختلف عما كان عليه موقفي عندما كنت في مواقع المسؤولية في الحزب الشيوعي. فقد كان العنف الثوري هو عنوان أفكارنا كشيوعيين. وقد دلت تجربة الثورات الاشتراكية بالذات في كل من روسيا أولاً ثم في الصين وفي الهند الصينية على أن ثمن العنف الثوري كان باهظاً. من هنا دعوتي اليوم بإصرار للتخلي عن العنف في النضال كوسيلة من أجل التغيير. وثمة أمثلة واضحة في المقارنة بين ما حصل في تونس ومصر، وبين ما حصل في سورية وليبيا واليمن على سبيل المثال. أقول ذلك وأعرف أن الأمور لا تتم دائماً كما يشتهي المناضلون.

* كيف ترى المجتمعات العربية، هل هي عصية على الإصلاح، ومن ثم هي عصية على نجاح الثورات الشعبية العارمة، وما السبيل لخروج الشعوب العربية من مأزقها الراهن في ظل هيمنة الثنائية السوداء الطاغية على أجواء العالم العربي؛ الاستبداد أو التطرف؟ 
هذا التوصيف يحمل في طياته ظلماً لشعوبنا العربية. فتاريخها حافل بالنضالات وبالثورات التي كانت ترمي إلى الإصلاح والتغيير. وتعبّر الثورات العربية المعاصرة عن هذا الذي أشير إليه من النضالات المتواصلة لشعوبنا، من أجل الانتقال من القديم في تاريخها إلى الحديث الذي يجعلها جزءاً من التحولات التي يحفل بها العصر في الجانب الإيجابي منها الذي يحقق للإنسان حريته وكرامته وعيشه الكريم. وهو ما سميته في سؤالك الإصلاح. المشكلة عندنا هي في الحركات القديمة التي حملت في برامجها مشاريع التغيير. فهي ما تزال عاجزة عن تجديد ذاتها وتجديد أفكارها وتجديد برامجها وتجديد أشكال نضالها. وأعني بهذه الحركات تلك التي تنتمي إلى اليسار بتنوعاته المختلفة، من دون أن أستثني تلك الحركات التي نحب أن نصفها بالحركات اليمينية والليبرالية! وفي يقيني فإن الثورات العربية المعاصرة بما حملته من شعارات قد تركت بصماتها على المستقبل في بلداننا. فإما أن تنبري الحركات القديمة لتجديد ذاتها أو أن حركات جديدة ستأخذ المبادرة منها، وتقوم هي بما كان ينبغي على القوى القديمة أن تقوم به. لكن ما أشير إليه عن مستقبل للحركات الجديدة لن يأتي بالضرورة كما نشتهي في الوقت الذي نريد… لكنه سيأتي حتماً.

* في كتابكم الذي صدر حديثا ثورات العالم العربي حاولت أن تشير (وربما أشرت) إلى احتمال صعود القوى المضادة للثورات العربية، لكن بعد ما حدث ما يؤسف له من ثورات مضادة وتدخلات كثيرة، ماذا تريد أن تقول للثوار ومؤيدي الثورات العربية من نصح فكري لتجاوز الأزمة الراهنة؟ 
كنت واضحاً في كتابي الصادر في عام 2012 عن الدار العربية للعلوم في بيروت، تحت عنوان “قادة تاريخيون كبار في ثورات القرن العشرين”، وهو من جزأين ويتناول سيرة الثورات من خلال سير 37 قائداً من قاداتها، كنت واضحاً في الفصل الأخير من الجزء الثاني من الكتاب، تحت عنوان “أي مستقبل للعالم العربي في ظل الثورات العربية المعاصرة”، حين قلت إن القوى التي كانت تستولي على مصائر بلداننا ستقاوم بشراسة الثورات، وإن قوى ظلامية ستحاول الاستيلاء على هذه الثورات بوسائل شتى وتتحول إلى ثورات مضادة. وقلت للثوار إن عليهم أن يعرفوا أن طريقهم في اتجاه التغيير صعب وطويل ومكلف، لكن المستقبل سيكونون هم أبطاله. وقلت لهم إن عليهم أن يستكملوا الشروط الضرورية لكي يتمكنوا من متابعة سيرهم في اتجاه ذلك المستقبل. أهم هذه الشروط الوعي والعقلانية وتحديد البرامج ووضع إطار واقعي وعقلاني لقيادة حركتهم نحو ذلك المستقبل، وعليهم في الآن ذاته أن يحددوا مهماتهم بحسب كل مرحلة، وأن يوفقوا دائماً بين رومنسيتهم وبين الواقع، وألا يتجاوزوها في شكل متعسف.

تعليقات الفايسبوك

تعليق

شاهد أيضاً

أمكراز: ما صدر عن “بنشماش” كاف لمحاكمته بتهمة المس بثابت من ثوابت الوطن

ردا على المقال المسيء “للشرعية الانتخابية”، الذي خطه الأمين العام الجديد لحزب”البام”، حكيم بنشماش، والذي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.